الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

149

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعالى : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً في سورة آل عمران [ 67 ] . والحنيف : المجانب للباطل ، فهو بمعنى المهتدي ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ في سورة البقرة [ 135 ] . وهو منصوب على الحال . وجملة : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عطف على الحال من إِبْراهِيمَ عليه السّلام المضاف إليه ، لأنّ المضاف هنا كالجزاء من المضاف إليه ، وقد تقدّم في آية سورة البقرة . [ 162 ، 163 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 162 إلى 163 ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) استئناف أيضا ، يتنزّل منزلة التّفريع عن الأوّل ، إلّا أنّه استؤنف للإشارة إلى أنّه غرض مستقلّ مهمّ في ذاته ، وإن كان متفرّعا عن غيره ، وحاصل ما تضمّنه هو الإخلاص للّه في العبادة ، وهو متفرّع عن التّوحيد ، ولذلك قيل : الرياء الشّرك الأصغر . علّم الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم أن يقوله عقب ما علّمه بما ذكر قبله لأنّ المذكور هنا يتضمّن معنى الشّكر للّه على نعمة الهداية إلى الصّراط المستقيم ، فإنّه هداه ثمّ ألهمه الشّكر على الهداية بأن يجعل جميع طاعته وعبادته للّه تعالى . وأعيد الأمر بالقول لما علمت آنفا . وافتتحت جملة المقول بحرف التّوكيد للاهتمام بالخبر ولتحقيقه ، أو لأنّ المشركين كانوا يزعمون أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام كان يرائي بصلاته ، فقد قال بعض المشركين لمّا رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يصلّي عند الكعبة : « ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيّكم يقوم إلى جزور بني فلان فيعمد إلى فرثها وسلاها فإذا سجد وضعه بين كتفيه » . فتكون ( إنّ ) على هذا لردّ الشكّ . واللّام في لِلَّهِ يجوز أن تكون للملك ، أي هي بتيسير اللّه فيكون بيانا لقوله : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 161 ] . ويجوز أن تكون اللام للتعليل أي لأجل اللّه . وجعل صلاته للّه دون غيره تعريضا بالمشركين إذ كانوا يسجدون للأصنام . ولذلك أردف بجملة لا شَرِيكَ لَهُ .